صبره .. فارس الكلمة وصاحب المواقف الشجاعة في رحاب الخالدين: رئيس الجمهورية : علي صبره مناضل سبتمبري جسور اتصف بكل السجايا الوطنية
صحيفة 26سبتمبر
زملاء ومحبو الفقيد لـ"26 سبتمبر"
<
المقالح: الحديث عن فقيد الأدب اليمني يطول ويتعدد بتعدد مواهبه وانجازاته
<
اللوزي: اليمن خسر شخصية وطنية امتلكت من القدرات والمعارف مالم يتوفر لمثلها
العمري: صبره كان بديعاً بليغاً في شعره المحكم وفي الغناء الحميني الجميل
راشد : أجاد استخدام الكلمة والمعاني في البناء الشعري ووظف ابداعه لخدمة العمل الوطني
انتقل الى رحمة الله مساء الخميس الماضي الاديب الشاعر والسياسي المناضل علي بن علي صبرة عن عمر ناهز السبعين عاماً بعد حياة حافلة بالعطاء اثرى خلالها الساحة الادبية والفكرية اليمنية باسهاماته العظيمة شعراً وتاريخاً ودراسات ادبية.. كما اشتهر بالقصيدة الغنائية وشعره الوطني الثوري.
ولان الفقيد الراحل علي بن علي صبرة يعد من الاصوات التي وعتها الذاكرة الادبية في اليمن على مستوى نمطي الشعر الفصيح والمنظوم بالعامية فإن غيابه عن الساحة الادبية اليمنية قد مثل خسارة كبيرة ستحرم الاوساط الادبية والشعربية من ابداع شعري جديد متجدد كان يقدمه هذا الشاعر العملاق والذي كان يمثل همزة الوصل بين الاجيال الجديدة الطالعة في تاريخ اليمن الحديث والماضي الذي عاشه الشاعر.
وانطلاقاً من هذه المكانة الكبيرة التي اكتسبها الراحل علي بن علي صبرة فقد وصفه فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية في برقية العزاء لافراد اسرته بالشاعر الكبير والاديب المتميز والمؤرخ والمفكر اضافة الى المناضل السبتمبري الجسور والصادق المتصف بكل السجايا الوطنية الرائعة وبالروح الانسانية الابية.. مشيداً بما بذله الراحل اثناء حياته الحافلة بالبذل والعطاء والنضال من اجل الوطن وقضاياه العادلة والدفاع عن ارادة الشعب في الحرية والانعتاق من الحكم الكهنوتي المباد..مؤكداً ان الوطن اليمني قد خسر برحيل هذه الهامة الكبيرة مناضلاً صلباً وشاعراً فذاً واديباً مبرزاً اسهم واثرى الحياة الادبية في اليمن بكل الحب والوفاء لوطن الثورة والجمهورية والوحدة.
ووفاءً من «26سبتمبر» لشخصية الفقيد الراحل وما قدمه من اعمال جعلت منه شخصية وطنية كبيرة امتلكت من القدرات والمعارف والعلم ما لم يتوافر لمثلها في الزمن الذي عاش فيه الراحل العظيم علي بن علي صبرة واعتزازاً بعظمة شخصيته التقت «26سبتمبر» بعدد من زملاء ومحبي الفقيد الذين تحدثوا عن رحيله بحزن وأسى وأشادوا بأعماله التي ستظل خالدة ومناقبه الفاضلة مجمعين على انه الشاعر الذي تفرد وتميز في كل الاشكال الشعرية التي ابدع فيها سواءً بالنسبة للقصيدة الكلاسيكية الحديثة او بالنسبة للشعر الشعبي وذلك ما جعله شخصية شعرية وادبية لا تضاهى ولا تقاس بغيرها حيث كان نسيجاً مغايراً كما كانت مادته الشعرية موقفية ملتزمة وثورية.
فيما يلي حصيلة لقاءات الذين تحدثوا عن الفقيد بالاضافة إلى إعادة نشر مجموعة من قصائده الرائعة:
لقاءات: أحمد ناصر الشريف
<
تحدث في البداية الاستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح المستشار الثقافي لرئيس الجمهورية فقال:
<< ان الحديث عن فقيد الأدب اليمني الكبير علي بن علي صبرة يطول ويتعدد بتعداد مواهبه وانجازاته ليس على صعيد الشعر بأشكاله المختلفة من قصيدة عمودية الى قصيدة تفعيلة الى قصيدة غنائية «مغناة» ولعل وفاته المحزنة وماصاحبها من فراغ ابداعي تكون مناسبة للدارسين والباحثين في الجامعات اليمنية للإقتراب من أعماله الشعرية التي يجد فيها طلاب الدراسات العليا ما يحتاجون اليه من موضوعات في مجالات الماجستير والدكتوراه.
واذا كان صديقنا الكبير قد عانى في السنوات الأخيرة من مرضه العضال الذي أبعده كثيراً عن مجالات المشاركة فإن حضوره في انجازاته التي بدأت من منتصف الخمسينات واستمرت الى وقت قريب كفيلة بأن تجعله حاضراً حضور كبار المبدعين ليس في بلادنا فحسب وانما في بقية اقطار امتنا العربية.. واكرر ما سبق ان اشرت اليه في بعض الاحاديث من ان على كل من وزارة الثقافة واتحاد الادباء الاهتمام بتجميع آثاره غير المنشورة سواءً منها ما يتصل بالشعر او بالتاريخ او بالدراسات الفكرية والأدبية واعدادها للنشر لتكون في متناول القراء المعجبين بشخصيته والمتابعين لما انجزه في هذه الحقول وليسمح لي القارئ اذا لم اجد من الكلمات والعبارات ما يعبر عن حزني الشخصي تجاه رحيله وما تركه في الساحة الأدبية من فراغ كبير ومن شعور بالخسارة والفقدان المؤلم.
ولا يفوتني في هذا اللقاء العابر مع صحيفتنا العزيزة «26سبتمبر» ان انبه الى ذلك الجانب المضيء والمشرق في تاريخ شاعرنا الكبير وهو ذلك الذي يتجلى في اغنياته الشعبية التي ملكت المشاعر وهدهدت العواطف في وقت كان مجرد الحديث عن الاغنية محرماً ومكروهاً.. وهناك اجماع على ريادة الشاعر الكبير علي بن علي صبرة لهذا المنحى الإبداعي الفني تغمده الله بواسع الرحمة والرضوان.
شخصية امتلكت كل القدرات
< الاستاذ حسن احمد اللوزي- وزير الإعلام:
<< لا شك ان بلادنا قد خسرت شخصية فذة من شخصياتها الوطنية التي امتلكت من القدرات والمعارف والعلم ما لم يتوفر لمثلها في الزمن الذي عاش فيه الراحل العظيم علي بن علي صبرة.. ونزداد شعوراً بعظمة هذه الشخصية بأن كل تلك القدرات والمعارف والخبرات التي امتلكها اديب اليمن وشاعرها الكبير علي بن علي صبرة هي بفضل جهاده الشخصي وتنميته لذاته وتواصله العميق بما حفل به تراثنا في شتى العلوم وما حفلت به المكتبة العربية في تاريخها المعاصر، ومتابعته وانكبابه على الدراسات المعمَّقة برؤية عصرية تفرد بها الفقيد.
كان صاحب رؤية ثورية للتاريخ ولوقائع الحياة.. وكذلك في نظرته للمستقبل وذلك جعله مفكراً ملماً وفاهماً.. كما جعله ذلك شاعراً متفرداً ومتميزاً في كل الاشكال الشعرية التي ابدع فيها سواء بالنسبة للقصيدة الكلاسيكية الحديثة او بالنسبة للشعر الشعبي.. كذلك ايضاً لتجربته المحدودة في الشعر الحديث.. فمكانته في شعرنا اليمني عالية جداً وهو شخصية شعرية لاتضاهى ولا تقاس بغيرها فقد كان نسيجاً مغايراً.. لكن مادته الشعرية كانت ايضاً مادة موقفية ملتزمة.. فشعره ثوري كان في مقدمة القصيدة الثورية التي نمَّت الوعي الوطني وساعدت على تشكيل وتنمية الوجدان الوطني الجديد.
فإذاً علي بن علي صبرة شاعر متمكن فنياً ملتزم اروع مايكون الالتزام قيمياً وأدبياً وصاحب مدرسة مستقلة في الشاعرية.. ومثل ذلك الحكم يمكن ان يصل اليه الناقد والدارس عندما يتأمل كتاباته التاريخية ودراساته النقدية بشعرنا القديم.. كما يتجلى في المثال الرائع لدراسته لشعر الشاعر «الهبل».. فهذه الدراسة تمتلك خصوصية رائدة في العمل العلمي النقدي الجديد.. وبالتالي ايضاً فإن الاستنتاجات التي توصل اليها كانت تعبر عن عمق الذكاء وملكة الاستنباط الواعية التي وظفها كلها في اعماله الأدبية والتاريخية الجديدة.
اما إذا كان الحديث عن المدارس الغنائية من زاوية كتاب، الشعر الغنائي في اليمن، فالراحل علي بن علي صبرة قدم اعمالاً سيظل يتغنى بها الوجدان الوطني اجيالاً بعد اجيال لأنها عبرت عن خصائص هذا الفن الإنساني الخالد وعن روح وجوهر ما تمثله الأغنية في الحياة البشرية وما تغنت به الموسيقى كفن مؤثر ومتأثر وكانت ثنائيته مع ا لفنان الكبير الراحل علي الآنسي من الثنائيات التي ستظل تدرس في المعاهد الموسيقية اليمنية وغيرها.. ونستطيع ان نؤكد بأن عطاء هذا الشاعر قد حرك ابداعات وقدرات العديد من الفنانين والملحنين في بلادنا فأثمروا جواهر في الالحان الموسيقية التي قدمت رصيداً جديداً للموسيقى اليمنية وللأغنية العربية.
كنا نعتقد انها توقفت في زمن قديم يعود الى عهد ابن « هتميل» وغيره من الشعراء الذين كتبوا نصوصاً غنائية او غنيت فتخلدت وخلدت، اما الحديث عن الراحل كسياسي فهو يطول لأنه ثائر بمعنى الكلمة ملتزم كل ما يعنيه الإلتزام في الموقف والعمل وهذا ما ترجمه هو بذاته في مواقع المسؤولية القيادية يوم ان كان مديراً لمصلحة الإذاعة ووكيلاً ونائباً لوزير الإعلام والثقافة ومستشاراً وفي شتى المناصب.. وبهذا نستطيع ان نقول بأنه صاحب مواهب متعددة دفع بها جمعياً لإثراء نهر الحياة في بلادنا بكل جميل ورائع ومتميز.
< الدكتور حسين عبدالله العمري- عضو مجلس الشورى:
<< كان الراحل العزيز الاستاذ الاديب والشاعر الكبير علي بن علي صبره صديقاً عزيزاً.. وكان بديعاً بليغاً سواء في شعره المحكم «الموزون» او الغناء الحميني الجميل.. وكان له اهتمامات ونظرات في تاريخ اليمن عموماً.
كما كان صائب الرؤية او النظر في السياسة والقضايا الوطنية والقومية من قبل الثورة وهو في شرخ الشباب ..ومنذ عرفته في عام 57م من القرن الماضي في تعز في منزل اخي القاضي العلامة محمد بن عبدالله العمري رحمه الله الذي عمل معه في وزارة الخارجية آنذاك وكان ابرز الشباب المثقف في مجلسه العامر بعد العصر.. وفيه كان يلتقي بكباد الادباء والساسة امثال العلامة الرئيس القاضي عبدالرحمن الارياني والقاضي عبدالله الشماحي والشعراء ابراهيم الحضراني ومحمد سعيد جرادة وصالح عباس وعبدالله بن علي الشرفي وآخرين كثيرين من اترابه وادباء جيله.
وقد قويت صداقتي ومعرفتي بالفقيد علي بن علي صبرة بعد عودتي من مصر عام 1964م، وقد كان له دور هام شعراً وكتابة في ستينات وسبعينات القرن العشرين كما هو معروف عنه.. وبالنسبة لي لم تنقطع صلتي بالفقيد رحمه الله حتى وهو خارج الوطن في السنوات الاخيرة عاملاً في سفاراتنا في دمشق، واخيراً في عمان حتى عاد الى الوطن مؤخراً.
وفي الحقيقة انه كان نسيجاً وحده متعدد المواهب والثقافات حلو المعشر لا تمل مجالسته.. ورحيله يثير الحزن العميق في نفسي كما ان رحيله -وهذه سنة الحياة- يشكل خسارة كبيرة للوطن وللادب وللاهل والاصدقاء وما اكثرهم، هذا ما عنّ لي قوله عن الراحل العزيز الاديب علي بن علي صبرة، والذي ستبقى ذكراه وادبه وشعره حياً في نفوس وعلم وثقافة هذا الوطن الذي احبه كثيراً.
شاعر مبدع
< راشد محمد ثابت:
<< علي بن علي صبرة اولاً هو شاعر مبدع يجيد استخدام الكلمة والمعاني في البناء الشعري، وقد وظف انتاجه وابداعه في هذا الجانب لخدمة العمل الوطني بحكم انتمائه لوطنه ومعاصرته للتيارات الوطنية والحزبية في اليمن، وقد انتج العديد من الكتب والدواوين الشعرية التي ذهبت الى اعماق التاريخ اليمني والى مواكبة التطورات الثورية والوطنية في اليمن.
ثانياً: كان الراحل علي بن علي صبرة من العناصر النشطة في التكوينات الحزبية والمنظمات النقابية والابداعية في اليمن.. واشتهر بقدرته في الحوار والاقناع وايضاً في المساهمة بتعزيز الاوضاع لاتحاد الكتاب والادباء اليمنيين، الذي نافح في الحفاظ على كيانه الوحدوي والعمل من اجل انجاز العمل الوحدوي العظيم.
ثالثاً: كان علي بن علي صبرة انساناً نظيفاً الى جانب العمل الانساني ومناصرته للضعفاء من اجل الانتصار لحقوقهم.. وكان خير معين للعناصر والقوى التي تعرضت للاضطهاد في ظل الحكم الامامي وايضاً في ظل الحكم الجمهوري، حينما كانت اجهزة المخابرات العربية تمارس بعض التعسفات ضد الوطنيين في اليمن فكان يواجهها بقوة.
ان غياب الشاعر والاديب والسياسي علي بن علي صبرة شكل خسارة في ميدان العطاء الادبي والثقافي داعين الله ان ينزل عليه شآبيب رحمته وغفرانه وان يلهم اهله وذويه الصبر والسلوان.
حلقة الوصل بين الاجيال
<
الدكتور عبدالله البار:
<< يعد الشاعر علي بن علي صبرة من الاصوات الشعرية التي وعتها الذاكرة الادبية في اليمن على مستوى نمطي الشعر في اليمن الفصيح والمنظوم بالعامية.. فهو على مستوى الشعر الفصيح اقرب ما يكون الى شعراء الاحياء الممزوجة بتسميتها التجديد على مستوى الموضوع، وهو ما يعرفه بعض النقاد ب «الكلاسيكية» الجديدة حيث يظهر ذلك في شعره الوطني على مستوى الوطن او الأمة.
فله قصائد في الوحدة العربية مثل قوله: بردى على زنديك يضظجع الهواء.. ومثل قوله: اشهدي ايتها الدنيا اشهدي وقوله: اذن الفجر ونادانا للكفاح.. وغيرها من القصائد التي تغنى فيها للثورة اليمنية لنصرة الشعب المتمرد على الظلم والساعي الى تجديد حياته بثورة تخلصه من كل الاضطهاد والظلم، حتى غدى بعض شعره في مثل هذا المجال اناشيد يرددها الآخرون كقوله: نحن حطمنا القيود.. نحن طهرنا الحدود ابداً لا لن نعود.. قسما لن نستكين.. وغير ذلك من امثاله, لكن الذي تميز به شعر علي بن علي صبرة هو ما كتبه باللغة العامية واظهر فيها اشكالا متنوعة في النظم الشعري المميز .. فلديه ما يمكن ادارجه في جانب شعر الموشى.. ومنه ما يقرب من شعر الحميني بمختلف صوره واشكاله ، وهذا يدل على اهتمام واعتناء الشاعر الفقيد علي صبره بالشعر الحميني في اليمن .
وقد تميزت كثير من قصائده واشعاره بلغة عذبة اشتملت على كثير من المعاني المميزة.. بل اننا نجد في بعض الاشعار المفردات التي كادت ان تندثر في العامية المحدثة، ولكنها حفظت في شعر علي بن علي صبرة .
مثال ذلك قوله: فصرت مثل الغوم في النحافة.. اضافه الى تجدد المعاني في الغزل الذي كان ينظمه علي بن علي صبرة ويتغنى به كثير من المغنين في اليمن .
ولعلنا نستطيع في هذا المقام ان نتذكر اغنية:
يالله رضاك والطل في وروده.. مثل الحبيب نايم على عقوده هذه الاغنية يسترجع فيها صدى كبار شعراء الحميني في العصور السابقة فيما يدل على براعة علي بن علي صبرة في نظم مثل هذا الشعر.. وعلى اية حال فالمقام لا يتسع لتفصيل اكبر..لكننا نكتفي بهذا الموجز لاننا لا نزال نمتص الم الصدمة لخبر وفاته وندع التفصيل الشامل في الشعر الفصيح والمغنى.
ومما لا شك فيه ان غياب الشاعر علي بن علي صبرة عن الساحة الادبية سيمثل خسارة على مستويين: الاول هو المستوى الابداعي، لان وفاته ستحرمنا من ابداع شعري جديد متجدد يقدمه هذا الشاعر ما بين آن وآن.. والمستوى الثاني هو المستوى الانساني الذي كان يتميز به الشاعر علي بن علي صبرة.. وكونه كان همزة وصل بين الاجيال الجديدة الطالعة في تاريخ اليمن الحديث.. والماضي الذي عاشه الشاعر علي بن علي صبرة بكل صوره ومعاناته وما الم به من احداث.. لكننا مع ذلك نسأل الله ان يتغمده بواسع رحمته ويخلف على اهله ووطنه والحركة الادبية في اليمن بخير.
واقفون على الارض يتهاوى المثقفون..
<
الشاعر عبدالرحمن ابراهيم:
<< ربما تعبير «يتهاوى» ليس دقيقاً لان التهاوى لا يهز او يحرك الذهنيات الفاعلة المؤثرة في بنية الواقع كما هي حال الشجرة المثمرة التي لا تهتز لها جذور.. ذلك ان التهاوي "الهواءات" لا تسقط إلا الاوراق الصفراء ولكننا في اكثر استخداماتنا اللغوية نلجأ الى هذا التعبير غير الدقيق وغير المتجانس مع الطبيعة.
ولما كانت الاشجار باقية الجذوع والفروع فإنها ستظل واقفة الى ما شاء الله.
الاستاذ علي بن علي صبرة شاعر ومناضل واعلامي كبير.. وبساطته تركت اثراً عميقاً في مسلكياتنا الاجتماعية على الصعيد الابداعي والثقافي عامة.. فماذا يعني ان نخسره وتخسره اليمن عموماً والحركة الثقافية خاصة..
كل ذلك نلمسه في حديثه المتزن واناقة شعره التي تسمو على لهجوية تتصادم مع الافق الضيق وانوية الخوار الذهني وعرى التصحر الاحمق.
الفقيد الكبير الاستاذ علي بن علي صبرة رحمه الله مثل موجة في الحياة الثقافية والنضالية في وطننا لها امتدادها المتسع ولها ابعادها الانسانية المخملية، ولها طموحاتها التي تتوغل فينا وستظل خالدة باذن الله تعالى.
شهادة
<
د. مطهر علي الارياني:
<< لو تحدثنا عن شعر الاستاذ علي بن علي صبرة لوجدناالمجال ذا سعة للثناء على شعره بكلما هو معهود من عبارات الثناء التي يرددها الدارسون للشعر والشعراء، ولكنني هنا سأكتفي بالحديث عن صدق الشاعرية ومدى امتزاجها بروح هذا الشاعر الصادق حتى لكان الشعر متداخل معه الى حد التوحد..كانت مجالسنا تشهد في كثير من الاحيان نقاشات محتدمة بين انصار الشعر العمودي وانصار الشعر الحديث وكان الاستاذ علي بن علي صبرة يكتفي بتعليقات لها مضمون واحد خلاصته: انه يحب الشعر الصادق الجميل بأي قالب جاء وباية صورة اتت، بل كان يقول: انه يجد في رفيف اجنحة العصافير شعراً، ويجد في خرير مياه الينابيع شعراً، وقال مره:
سافرت بسيارتي من تعز الى إب وفي الطريق وضعت في المسجلة اغنية تتحدث عن التغريبات اليمانية وحالة الضياع للمغتربين في مهاجرهم واذا بي اجد ان صوت محرك السيارة وهو صوت مزعج عندي مثل غيري قد تحول الى ايقاع متداخل بانسجام مع الايقاع الموسيقي للاغنية لحناً وعزفاً، ومتناغماً مع المعاني الشعرية صوراً وحركة.والشاهد على الصدق المطلق لهذه المقولات وامثالها اننا كنا معه في مجلس وهو الذي لم ينظم اية مقطوعة من الشعر الحديث وصادف ان كان معي قصيدة (الموت على الاسفلت) للشاعر المصري عبدالرحمن الابنودي في رثاء المناضل الفلسطيني ناجي العلي فقرأتها على الحاضرين وحينما رفعت وجهي عن الورق توقف نظري على وجه الاستاذ علي صبرة، لأن دمعتين كانتا تتدحرجان على صفحة خده ولاحظ دهشتي فقال:
قصيدة تقطع نياطات القلوب.. قالها بهدوء وهو يبتسم ولكنها كانت بسمة ظريفة.ان هذا الموقف يؤكد الى حد اليقين بان هذا الرجل شاعرذو قلب شاعر وروح شاعرة وعقل شاعر، فكان هو والشعر كياناً واحداً لا فكاك بينهما.
خسارة لا تعوض
< عباس الديلمي:
ليست هناك خسارة تلحق بشعب او امة بفقدان مبدع كخسارتها لشاعر خاصة اذا ما كان شاعراً متميزاً.. لأنها خسارة لاتعوض اذ بالإمكان ان نوجد جيشاً من الدكاترة والعلماء والباحثين. ولكننا لا نستطيع ان نوجد شاعراً متميزاً كما هي خسارتنا بالشاعر الكبير علي بن علي صبرة.
ذلك الشاعر المتعدد المواهب.. فهو المؤرخ وهو الإعلامي وهو الشاعر المجدد، ولهذا سأتحدث عنه كشاعر له بصمته في الحركة الأدبية في اليمن.. ولا ننسى انه في صدارة شعراء الإحياء للقصيدة الحمينية التي كادت ان تنقرض في اليمن.. وكذلك هو من احدث نقلة تطويرية مع رفيقه الفنان علي بن علي الآنسي في الأغنية اليمنية وكسر اكثر من حاجز من حواجز الرواسب الإجتماعية السلبية.
كان الشعر حاضراً لدى
الشاعر علي بن علي صبرة حتى وهو يكتب التاريخ ولاننسى ملحمته الشعبية «الدم واغصان الزيتون» التي اختزل فيها تاريخ اليمن القديم والجديد والمعاصر والمسيرة النضالية للشعب اليمني.. هناك الكثير من الذكريات التي تربطني بالفقيد ويعود السبب الى صداقته بوالدي رحمه الله.. كما كان وزميله الشاعر الكبير مطهر بن علي الإرياني من رواد مقيل القاضي الأديب فضل بن علي الارياني، ولا انسى ان هذين الشاعرين من اول من تلقفا قصائدي التي كتبتها وانا احبو في ساحة القصيدة ولم يتجاوز عمري السادسة عشرة.
عرفت الفقيد مرحاً خصب الخيال شجاعاً في قوله ومواقفه.. واشجع هو من يحكم الكلمة.. ختاماً لا يسعني الا ان اتقدم بالعزاء الى اسرة الفقيد علي بن علي صبرة والى كل محبيه.. وعلي صبرة الشاعر والمؤرخ والسياسي لن يتكرر لأن القاعدة انه اذا اختفى شاعر متميز وجاء غيره ليحل محله فإنه لا يكون نسخة منه.. ان علي صبرة له جذوره وشخصيته المستقلة.. ولهذا اقول ان خسارة شاعر متميز خسارة لا تعوض.
الشاعر الكبير والصديق الغالي
>
السفير علي أحمد الخضر :
تلقيت نبأ وفاة شاعرنا الكبير الاستاذ علي بن علي صبرة بأسى بالغ وحزن كبير.. وبالفعل كانت مفاجأة مروعة خاصة وأنني قد عرفت أنه كان يعاني معاناة مرضية شديدة ولكنه كما عرفته - رحمه الله - دائماً ذلك القلب الكبير الذي يقابل الأيام بالابتسام ويصنع من آلامه وأحزانه تحفات شعرية تظل خالدة على مر الزمن.لقد عرفت شاعرنا الكبير رحمه الله عام 1960م بمحض صدفة في مدينة تعز، وجمعت بيننا رابطة حميمية تغذت على محبتنا للفنون والآداب وبالطبع كان شريكنا الثالث المبدع الموهوب الاستاذ علي الآنسي رحمه الله، والذي كان بالفعل توأم الشاعر علي صبرة الفني والروحي، وقد أبدعا سوياًشعراً ولحناً أغانٍ رائعة تعد ترجمة حقيقية للانعطافة الفنية الكبرى التي حدثت في خمسينيات القرن العشرين في كل أرجاء الوطن العربي.
والحق أن الشاعر علي صبرة كان ترجمة فنية صادقة للثورة اليمنية السياسية والادبية، فقد أبدع لكل شيء وفي كل شيء.. للثورة وللحب النبيل وللمرأة وحقها في المشاركة في العمل، ولم ينسَ التأملات الفلسفية التي تشغل ذهن الانسان عن سر وجوده ومصيره وكفاحه الطويل في استنطاق الأسرار والمجاهيل.
أما ما أضافه الشاعر علي صبرة في ميدان الإبداع الشعري فهو الكثير، ربما الأهم منه هو أنه حطم قوالب الصورة الشعرية التقليدية وطبق بأجنحته الشعرية في فضاءات لم يسبق لها مثيل.
فمثلاً من ينسى الصورة الشعرية عندما قال في بيته الخالد (يا مطل مثلما الدهر من فوق البشر).. وهنا نجد إحدى الصور الفنية والكونية، فالزمن هو المطلق الساكن وان بدا متغيرا.. ومن ينسى قصيدته (أهلاً بمن داس العذول) والتي تعد ملحمة شعرية لا يمكن ان تتكرر والتي تعبّر عن وجدان علي صبرة المشتعل والنبيل.
بالطبع الحديث عن الشاعر الكبير علي صبرة لم ولن ينتهي وأنا من القلائل الذين سيشعرون بعد رحيله باليتم الفني.
والروحي فقد كان رحمه الله الاخ والصديق المبدع الذي لن أنساه.
رحم الله أخي وصديقي الشاعر الكبير علي بن علي صبرة وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا جميعاً الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون
صبرة.. الرعد المغني
>
الشاعر والاعلامي عبدالكريم الوشلي:
الى ما قبل زهاء ثماني سنوات لم يكن في بالي وذهني وتصوري وذاكرتي عن الشاعر الكبير الاستاذ علي بن علي صبرة اكثر مما يمكن ان يكون موجوداً لدى اي واحد من جمهور التلقي العريض لابداع هذا الشاعر الذي يغطي مساحة شاسعة في ارض التذوق الشعري والغنائي في بلادنا.
حينها وفي عام 2001م بالتحديد كان يذاع لي عبر اذاعة صنعاء برنامج «نجوم ناطقة» وهو برنامج حواري اسبوعي عني باستضافة العديد من الشخصيات البارزة والمتألقة في العديد من المجالات الحياتية بما فيها مجال الابداع الشعري، وكان من حسن حظي وحظ برنامجي ان يكون الاستاذ علي صبرة ضيف احدى حلقات البرنامج.
شعرت بسعادة غامرة وانا استقبله في الاذاعة ملبياً دعوتي لاستضافته، وتضاعفت سعادتي حين بادر بعد المصافحة باعطائي نسخة من مجموعة شعره الفصيح ذات الجزأين والمعنونة «قصائد حب وحرب» كان يمسكها باحدى يديه بعد ان خط عليها سطور الاهداء الممهورة بامضائه الشخصي.
كان ذلك في اللحظات القليلة التي سبقت دخول الاستوديو لاجراء الحوار، والتي اصطحبناه خلالها انا والزميلين العزيزين الاستاذ علي السياني والمخرج عصام النوبي في جولة سريعة بين اروقة الاذاعة واقسامها واستوديوهاتها.. كفارس يطاء ارضاً طالما صال وجال فيها، ولم يكن في ذلك غرابة، فهو الى جانب كونه شاعراً بذلك الحجم.. الاعلامي المخضرم والقيادي الذي تقلد عدداً من المناصب في مجال الاعلام.. كان وهو في الاثناء يقابل الزملاء.. ويقابلونه بالترحاب والحفاوة.. كان كغمامة تمطر الجميع بغزارة دعابات وتعليقات من نوع بالغ الخصوصية في خفة اللفظ وسرعة البديهة.. وكان الزميل عصام النوبي من بين الممطورين بتلك التعليقات الطريفة الجامعة بين ما عرف به شاعرنا من مزيج رائع من الظرف واللطف والخفة واللذاعة في طبعه ومداعباته مع من حوله..
اما انا فكنت في خلاصة امري وحالي، كالصياد الذي وقعت في شبكته سمكة ثمينة!.. كنت كعصفورٍ اكتشف للتو سراً كبيراً من اسرار الصدح والغناء.
وفي اثناء الحوار على مدى خمس واربعين دقيقة مع هذا الشاعر المبدع الكبير.. كنت أشعر انني في مهب رياح يقيل على ظهرها تاريخ كامل من الشاعرية في بعدها الانساني الوجودي الكبير.. او في مصب شلال هادر من المعلومات والافكار والخواطر والبزغات الذهنية والذاكرية التي تكاد ان تؤرخ لجيل ابداعي برمته بل اجيال، وتضع المحصلة المدهشة بين يديك.
كان كلامه قمريةً آسرة في «مفرج» صنعاني منيف.. قمريةً تحتسي بزجاجها الملون الكثير المسكر من اشعاع القمر وهديل الحمام، وتناجي خطاطيف البرق في ليلة صائفة.. كان شاعرنا الكبير يتدفق سحراً وشاعرية وجاذبية انسانيته لا تضاهي، فكان في صوته رعد يغني ويعزف موسيقى من نوعٍ خاص «خاصٍ جداً».. رحم الله علي صبرة وجعل الجنة مثواه.